تزايد تشعب المعاملات التجارية والمدنية، قد يجد الفرد أو المستثمر نفسه عاجزًا عن متابعة كافة شؤونه وإبرام جميع صفقاته بنفسه. من هنا، تبرز أهمية “عقد وكالة” كأداة قانونية مرنة وفعالة، تسمح لشخص بأن يعهد إلى آخر موثوق به للقيام بتصرفات معينة نيابة عنه، وكأنه هو من قام بها بنفسه.
هذا العقد ليس مجرد تفويض، بل هو علاقة قانونية دقيقة، نظمها المشرع السعودي لضمان الحقوق وتحديد المسؤوليات.
ما هو جوهر عقد وكالة؟
يعرّف نظام المعاملات المدنية السعودي في المادة الثمانين بعد الأربعمائة عقد الوكالة بأنه:
“عقد يقيم بمقتضاه الموكل الوكيل مقام نفسه في تصرف نظامي”.
هذا التعريف البسيط في مبناه، عميق في معناه، فهو يوضح أن جوهر الوكالة هو “الإنابة”، أي أن الوكيل يصبح ممثلاً قانونياً للموكل في حدود ما تم الاتفاق عليه. سواء كان ذلك لبيع عقار، أو تأسيس شركة، أو المرافعة في قضية، فإن التصرف الذي يقوم به الوكيل يُنسب مباشرة إلى الموكل وتترتب آثاره في ذمته.
شبكة من الثقة والالتزامات المتبادلة
لا يقوم عقد وكالة على الثقة الشخصية فحسب، بل على إطار واضح من الالتزامات التي حددها النظام لحماية الطرفين:
1. التزامات الوكيل (الذراع المنفذة):
- التنفيذ في حدود مرسومة: أهم واجبات الوكيل هو التصرف ضمن الحدود التي رسمها له الموكل. ومع ذلك، فقد منحه النظام مرونة، حيث نصت المادة السادسة والثمانون بعد الأربعمائة على أن للوكيل حق التصرف فيما تتناوله الوكالة وتوابعه الضرورية، بل واعتبرت أن تصرف الوكيل بما هو أنفع للموكل لا يعد تجاوزًا لحدود الوكالة.
- الأمانة وتقديم الحساب: يُعتبر المال الذي يتسلمه الوكيل لحساب موكله بمثابة وديعة مؤتمن عليها. كما ألزمته المادة السابعة والتسعون بعد الأربعمائة بتزويد موكله بالمعلومات الضرورية عما وصلت إليه الوكالة وتقديم حساب عنها، وهو ما يعزز الشفافية والثقة.
2. التزامات الموكل (صاحب الحق):
- الوفاء بالالتزامات: يلتزم الموكل بكل ما ترتب في ذمة وكيله نتيجة تنفيذ الوكالة بشكل معتاد. فإذا أبرم الوكيل عقد بيع باسم الموكل، فإن الموكل هو الملزم بتسليم المبيع واستلام الثمن.
- التعويض وحفظ حق الوكيل: نصت المادة الخمسمائة من ذات النظام على أن الموكل مسؤول عن أي ضرر يصيب الوكيل بسبب تنفيذ الوكالة تنفيذًا معتادًا، ما لم يكن الضرر ناشئًا عن خطأ الوكيل نفسه، وهو ما يوفر الحماية اللازمة للوكيل أثناء قيامه بمهامه.
أهمية استراتيجية تتجاوز إنجاز المهام
تكمن أهمية عقد وكالة في كونه محركًا أساسيًا للعديد من القطاعات. فلولاه لما تمكن المستثمرون من إدارة استثماراتهم عن بعد، ولما استطاعت الشركات العالمية فتح فروع لها عبر الوكالات التجارية التي عرفتها المادة الأولى من لائحة نظامها.
كما أنه يتيح للأفراد الاستعانة بالخبرات المتخصصة، كتوكيل محامٍ للدفاع عن حقوقهم، أو وسيط عقاري لإتمام صفقة معقدة.
خاتمة
في الختام، لم يعد عقد وكالة مجرد ورقة تُوقع، بل هو شراكة قانونية واستراتيجية مبنية على الثقة والمسؤولية المحددة نظامًا.
إنه الأداة التي تكسر حواجز الزمان والمكان، وتتيح للأعمال أن تنمو وللحقوق أن تُصان، مما يجعله حجر زاوية لا غنى عنه في البناء القانوني والاقتصادي للمملكة العربية السعودية.
يمكنك الاتصال بمتخصص بالعقود القانونية والوكالات في شركة مساواة للمحاماة والاستشارات القانونية



