لم تعد الوساطة في المنازعات التجارية مجرد إجراء ودي، بل أصبحت مساراً قضائياً بديلاً وفعّالاً، حيث جعلها المنظم السعودي إلزامية في أنواع معينة من الدعاوى. في هذا السياق، يتجاوز دور المحامي مجرد الحضور الشكلي، ليصبح المهندس الذي يضمن حماية حقوق موكله وتحويل الاتفاق الودي إلى واقع نظامي ملزم.

المرحلة الأولى: الدور الاستراتيجي (ما قبل الوساطة)

تبدأ مهمة المحامي قبل دخول غرفة الوساطة عبر التخطيط الوقائي:

  • صياغة شرط الوساطة: إدراج بنود واضحة في العقود التجارية تنص على اللجوء للوساطة قبل التقاضي، مما يوفر آلية منظمة لحل الخلافات.
  • تقييم المسار القانوني: تحليل موقف الموكل وتحديد نقاط القوة والضعف، خاصة في الدعاوى التي تكون فيها الوساطة “إلزامية” مثل المنازعات بين الشركاء وفق المادة (58) من لائحة نظام المحاكم التجارية.
  • الإعداد النفسي والفني: تجهيز الموكل لعملية التفاوض، ورسم حدود التنازلات الممكنة، وتجهيز المستندات الداعمة.

المرحلة الثانية: الحارس القانوني والمفاوض (أثناء الوساطة)

أثناء الجلسة، يعمل المحامي كخط دفاع ومستشار فوري لضمان سلامة القرار:

  • المشورة القانونية الفورية: توضيح الآثار المترتبة على أي مقترح مقدم من الطرف الآخر لضمان عدم اتخاذ قرار يضر بالموكل مستقبلاً.
  • حماية سرية التفاوض: يضمن المحامي تطبيق المادة (34) من الأدلة الإجرائية لنظام الإثبات، والتي تنص على أن الإقرارات الصادرة أثناء الوساطة لا يحتج بها كدليل أمام المحكمة لاحقاً، مما يوفر بيئة تفاوض آمنة.
  • ابتكار الحلول: استخدام الخبرة القانونية والتفاوضية (بموجب نظام المحاماة) لتحويل النزاع من صراع قانوني إلى حلول تجارية إبداعية تلبي مصلحة الطرفين.

المرحلة الثالثة: ضمان النفاذ (ما بعد الوساطة)

تكمن القيمة الحقيقية للوساطة في تحويل “الكلمة الودية” إلى “قوة جبرية”:

  • صياغة محضر الصلح: يتولى المحامي صياغة اتفاقية التسوية بلغة قانونية محكمة تمنع الغموض أو سوء التفسير.
  • التحويل إلى سند تنفيذي: وفقاً لنظام التنفيذ السعودي (المادة 9)، تُعد محاضر الصلح المصدقة سنداً تنفيذياً واجب النفاذ المباشر.
  • انقضاء الدعوى: بمجرد صدور السند التنفيذي، تنقضي الخصومة القضائية (المادة 62 من لائحة المحاكم التجارية)، مما يوفر سنوات من التقاضي والجهد.

الخلاصة

المحامي في جلسات الوساطة هو مهندس الحلول؛ يبدأ بالتخطيط، ويقود التفاوض بذكاء، وينتهي بتوثيق تسوية متينة لا تقبل التأويل، مما يرسخ الوساطة كوسيلة فعالة لتحقيق العدالة الناجزة في البيئة التجارية السعودية.

error: البيانات محمية !!