تُعد التركة العقارية من أكثر أنواع الأموال شيوعاً وأهمية، وغالباً ما تكون محور عملية حصر وتقسيم الإرث. ونظراً لطبيعة العقار غير القابلة للتجزئة المادية في كثير من الأحيان، يصبح بيعه وتوزيع ثمنه بين الورثة هو الحل الأمثل لتحقيق قسمة عادلة ونافذة. وقد وضع المنظم السعودي إطاراً قانونياً وإجرائياً محكماً لضمان أن تتم عملية بيع التركة العقارية وتوزيع أموالها بشفافية وعدالة، بما يحفظ حقوق جميع الورثة، لا سيما القُصّر منهم.
أولاً: الإجراءات التمهيدية قبل البيع
قبل الشروع في بيع أي عقار مملوك للمتوفى، يجب استيفاء عدد من الإجراءات الأولية والجوهرية التي تضمن سلامة التصرف وصحته، وأهمها:
- استخراج وثيقة حصر الورثة:
هي الوثيقة الرسمية التي تثبت وفاة الشخص وتحدد ورثته الشرعيين وأنصبتهم، وهي المستند الأساسي الذي لا يمكن بدونه البدء في أي إجراء يتعلق بالتركة. - حصر أموال التركة:
يتم حصر جميع أموال المتوفى، بما فيها العقارات، لتحديد مشتملات التركة بشكل دقيق. - تسوية الحقوق المتعلقة بالتركة:
نصت المادة الثامنة والتسعون بعد المائة من نظام الأحوال الشخصية على ترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة، حيث يجب البدء بتجهيز الميت، ثم قضاء ديونه، وتنفيذ وصاياه، وأخيراً قسمة ما يتبقى على الورثة. فلا يمكن توزيع ثمن العقار المبيع قبل سداد الديون المستحقة على المتوفى، سواء كانت ديوناً لأفراد أو جهات تمويلية (كالرهن العقاري) أو ديوناً زكوية.
ثانياً: إجراءات بيع العقار الموروث
تختلف إجراءات البيع بناءً على اتفاق الورثة وحالتهم (وجود قاصر من عدمه):
الحالة الأولى: اتفاق جميع الورثة على البيع وعدم وجود قاصر
تعتبر هذه هي أيسر الحالات، حيث يمكن للورثة (بعد استيفاء الإجراءات التمهيدية) بيع العقار مباشرة عبر توكيل أحدهم أو محامٍ لإتمام عملية الإفراغ لدى كاتب العدل أو الموثق المعتمد، ومن ثم توزيع حصيلة البيع فيما بينهم كلٌ حسب نصيبه الشرعي. مع الأخذ في الاعتبار أن هذا البيع يخضع لضريبة التصرفات العقارية.
الحالة الثانية: وجود قاصر بين الورثة
إذا كان من بين الورثة قاصر (من لم يبلغ سن الرشد)، فإن حماية أمواله تكتسب أولوية قصوى. وقد أحاط المنظم هذه الحالة بضمانات مشددة:
- منع التصرف قبل حصر الهيئة:
نصت المادة الخامسة والعشرون من نظام الهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين ومن في حكمهم على أنه “لا يجوز لأي من الورثة… التصرف في أموال التركة… اعتباراً من تاريخ الوفاة وحتى حصر الهيئة لهذه الأموال. ويعد باطلاً كل تصرف يتم خلال هذه الفترة بغير إذن كتابي من الجهة المختصة في الهيئة”. - استئذان المحكمة:
لبيع عقار يخص قاصراً، يجب على الولي أو الوصي التقدم بطلب إلى محكمة الأحوال الشخصية للحصول على إذن بالبيع. ووفقاً للمادة (224) من اللائحة التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية، لا تأذن المحكمة بالبيع إلا بعد التحقق من “توفر الغبطة والمصلحة للقاصر” من خلال أهل الخبرة. والمقصود بذلك هو أن يكون البيع في مصلحة القاصر، كأن يستخدم ثمنه في شراء عقار أفضل أو لسد حاجة ضرورية له.
الحالة الثالثة: اختلاف الورثة على البيع (دعوى قسمة إجبار)
عندما يرغب أحد الورثة في البيع ويمتنع الآخرون، أو عند الخلاف على طريقة القسمة، يمكن لأي من الورثة رفع “دعوى قسمة تركة” أمام محكمة الأحوال الشخصية. وهنا، تنظر المحكمة في طبيعة العقار:
- إذا كان العقار قابلاً للقسمة العينية (كالفرز إلى وحدات مستقلة) دون أن يترتب على ذلك نقص كبير في قيمته، حكمت المحكمة بالقسمة.
- إذا كان العقار غير قابل للقسمة العينية، وهو الغالب في العقارات السكنية، فإن المحكمة، وفقاً للمادة الثامنة والعشرين بعد الستمائة من نظام المعاملات المدنية، تأمر ببيعه في المزاد العلني.
وفي هذه الحالة، قد يتم إسناد مهمة التصفية والبيع إلى مركز الإسناد والتصفية “إنفاذ”، أو يتم البيع تحت إشراف المحكمة مباشرة، وفقاً لما ورد في المادة الرابعة والأربعين من لائحة قسمة الأموال المشتركة. ويضمن البيع عبر المزاد العلني تحقيق أعلى سعر ممكن للعقار بشفافية تامة.
ثالثاً: توزيع حصيلة البيع والالتزامات الضريبية
بعد إتمام عملية البيع واستلام الثمن، تتم عملية التوزيع على النحو التالي:
- سداد المصروفات والديون:
تُخصم من حصيلة البيع أولاً أتعاب التصفية (إن وجدت)، ثم يتم سداد أي ديون متبقية على التركة لم تكن قد سُددت. - توزيع المبلغ المتبقي:
يوزع باقي المبلغ على الورثة، كلٌ حسب نصيبه المحدد في صك حصر الورثة. - ضريبة التصرفات العقارية:
من النقاط الهامة التي يجب الانتباه إليها هي ضريبة التصرفات العقارية. ووفقاً للدليل التفصيلي لضريبة التصرفات العقارية، فإن عملية “قسمة التركة أو توزيعها” بين الورثة وفقاً لحصصهم الشرعية مستثناة من الضريبة. ولكن، إذا قام الورثة ببيع العقار لطرف ثالث (سواء قبل توزيعه رسمياً أو بعده) بهدف تقسيم المبلغ النقدي بينهم، فإن هذا البيع يكون خاضعاً لضريبة التصرفات العقارية بنسبة (5%) من قيمة البيع، ويكون البائعون (الورثة) هم المسؤولون عن سدادها.
خاتمة
إن اتباع الإجراءات القانونية المحددة لبيع وتوزيع أموال التركة العقارية ليس مجرد الية، بل هو ضرورة لحماية حقوق الورثة، وتجنب النزاعات المستقبلية، وضمان استقرار المعاملات. ويوفر النظام العدلي السعودي قنوات واضحة وفعالة، سواء للتصرف الرضائي أو القضائي، بما يحقق العدالة والسرعة في إيصال كل ذي حق إلى حقه.



