عند وفاة مالك شركة أو مشروع تجاري، تدخل تركته في مرحلة حساسة تتشابك فيها أنظمة متعددة: نظام الشركات، نظام الأحوال الشخصية، ونظام الإفلاس. إن عملية تصفية هذه “التركة التجارية” وتقسيم أصولها ليست مجرد عملية حسابية، بل هي مسار قانوني دقيق يهدف إلى ضمان حقوق جميع الأطراف من ورثة ودائنين.
يستعرض هذا الدليل الإجراءات والخيارات القانونية المتاحة للتعامل مع التركات التجارية.
أولاً: تحديد مصير الكيان التجاري (الاستمرار أم التصفية؟)
بمجرد وفاة المورث، ينتقل نصيبه في الشركة (حصصاً كانت أم أسهماً) إلى ورثته. وهنا يواجه الورثة مفترق طرق:
1. خيار استمرارية الشركة يمكن للورثة الاتفاق على استمرار النشاط التجاري، وهو ما يتطلب عادةً تعديل عقد تأسيس الشركة أو نظامها الأساس ليعكس الملكية الجديدة.
تنبيه بشأن الورثة القصر: في حال وجود وريث قاصر، أجازت المادة الثانية والثلاثون من النظام الموحد لرعاية أموال القاصرين للمحكمة -بناءً على اتفاق الورثة الراشدين- أن تأذن باستمرار نصيب القاصر مشاعاً في التركة، وذلك لضمان عدم تعطيل مصالح الشركة واستمراريتها.
2. خيار تصفية الشركة إذا اتفق الورثة على إنهاء النشاط، أو كان الإنهاء حتمياً، تبدأ إجراءات التصفية عبر أحد المسارين التاليين:
ثانياً: مسارات التصفية (بين الرضائية والقضائية)
المسار الأول: التصفية الاختيارية (المسار الرضائي)
هذا هو الخيار الأسهل والأسرع، ويتم بإرادة الورثة دون تدخل قضائي مباشر.
- شروطها:
- اتفاق الورثة: إجماع كافة الورثة على التصفية.
- الملاءة المالية (شرط جوهري): يجب أن تكون أصول الشركة كافية لسداد ديونها. (وفقاً لـ المادة 244 من نظام الشركات، إذا كانت الأصول لا تكفي أو كانت الشركة متعثرة، يجب اللجوء لنظام الإفلاس).
- آلية التنفيذ:
- وفقاً لـ المادة 549 من نظام المعاملات المدنية، تُصفى الأموال وفق الإجراءات التي يتفق عليها الورثة (الشركاء).
- يقوم الورثة بتعيين “مصفٍّ” ويحددون سلطاته وأتعابه، ويشرفون بأنفسهم على العملية (المادة 245 من نظام الشركات).
المسار الثاني: التصفية القضائية (المسار الإلزامي)
يصبح اللجوء للقضاء حتمياً لفض النزاعات أو حماية الأطراف الأضعف.
- الحالات الموجبة للتصفية القضائية:
- الخلاف بين الورثة: عدم الاتفاق على التصفية أو آليتها.
- وجود قاصر أو مفقود: لحماية أموالهم، حيث اشترطت المادة 50 من النظام الموحد لرعاية أموال القاصرين إذن مجلس الإدارة/المحكمة لتصفية الأعمال التجارية التي تعود للقاصر.
- تعثر الشركة أو إفلاسها: إذا عجزت الشركة عن سداد ديونها، تصبح إجراءات الإفلاس إلزامية (المواد 221 وما بعدها من نظام الإفلاس).
- طلب ذوي المصلحة: كأن يطلب أحد الدائنين التصفية لضمان حقه.
- آلية التنفيذ: تتولى المحكمة المختصة (الأحوال الشخصية أو التجارية) الإشراف الكامل، وتعين مصفياً قضائياً، أو تسند المهمة إلى مركز الإسناد والتصفية (إنفاذ) لضمان الشفافية وتحقيق أفضل عائد.
ثالثاً: مراحل التصفية وتقسيم الأصول
سواء كانت التصفية اختيارية أو قضائية، فإنها تمر بخطوات منظمة:
- حصر الأصول والديون: جرد شامل لممتلكات الشركة والتزاماتها.
- سداد الديون (الأولوية): استخدام أصول الشركة لسداد الدائنين أولاً قبل أي توزيع.
- بيع الأصول: تسييل الأصول المتبقية (بيع بالمزاد أو غيره) لتعظيم القيمة.
- تحديد صافي التركة: المبلغ المتبقي بعد خصم كافة الديون والمصاريف.
رابعاً: التوزيع النهائي على الورثة
يتم ضم “صافي التركة التجارية” إلى باقي أموال المورث الشخصية (عقارات، نقد..) لتكوين التركة النهائية، وتُقسم وفق الترتيب الشرعي والقانوني (المادة 198 من نظام الأحوال الشخصية):
- تجهيز الميت وتكفينه.
- قضاء ديون المورث الشخصية.
- تنفيذ الوصايا (في حدود الثلث).
- قسمة الباقي على الورثة: كلٌ حسب نصيبه الشرعي المثبت في صك حصر الورثة.
خيار التخارج: أشارت المادة 245 من نظام الأحوال الشخصية إلى “التخارج” كأداة عملية؛ حيث يمكن لأحد الورثة بيع نصيبه لبقية الورثة مقابل مبلغ معلوم. هذا الحل يسهل عملية التقسيم ويحافظ على استمرارية الشركة إذا رغب البعض في الخروج والبعض الآخر في البقاء.
خاتمة
تعتمد الطريقة المثلى لتصفية التركة التجارية على عاملين أساسيين: الوضع المالي للشركة، ومدى توافق الورثة. وقد وفر المنظم السعودي مسارات قانونية مرنة تضمن حقوق الجميع، مع تشديد خاص على حماية حقوق الدائنين والورثة القصر من خلال الرقابة القضائية عند الحاجة.



