كثيراً ما تؤول ملكية العقارات إلى عدة أشخاص نتيجة الإرث أو الشراء المشترك، ليجد الشركاء أنفسهم أمام حالة قانونية تُعرف بـ “الشيوع”. ورغم أن الشراكة العقارية قد تكون استثماراً ناجحاً، إلا أن اختلاف الرؤى أو رغبة أحد الشركاء في الاستقلال بملكيته يتطلب تدخلاً قانونياً يضمن حقوق الجميع دون إضرار بقيمة العقار.
وقد نظم المنظم السعودي هذه العملية عبر مسارات إجرائية واضحة تراعي طبيعة العقار ومدى قابليته للتجزئة وفقاً للأنظمة الحديثة.
مسارات القسمة: التراضي مقابل الإجبار
تبدأ الإجراءات عادة بمحاولة الوصول إلى حل ودي، وتنقسم المسارات إلى:
- قسمة التراضي: وهي التي عرفتها المادة الأولى من لائحة قسمة الأموال المشتركة بأنها القسمة التي لا تجوز إلا برضا جميع الشركاء؛ نظراً لاحتمالية حصول ضرر فيها أو وجود تفاوت يتطلب دفع تعويض مالي (رد عوض) من أحدهم للآخر.
- قسمة الإجبار (القضاء): إذا تعنت أحد الشركاء ورفض القسمة، فقد كفل النظام حق الشريك الراغب في الخروج من الشيوع باللجوء إلى القضاء لطلب التدخل عبر الإجراءات النظامية لإنهاء حالة الشراكة.
الإجراءات القضائية: بين الفرز والمزاد العلني
عند رفع دعوى القسمة أمام المحكمة، يقوم القاضي بدراسة طبيعة العقار لبيان ما يقبل القسمة وما لا يقبلها. وهنا تضع المادة الثامنة والعشرون بعد الستمائة من نظام المعاملات المدنية مسارين حاسمين:
1. القسمة العينية (الفرز)
إذا كان العقار قابلاً للقسمة دون أن يتعطل الانتفاع به أو تنقص قيمته بشكل كبير (كأرض خام كبيرة قابلة للتخطيط)، تأمر المحكمة بفرز الحصص وتقسيمها عينياً وتوزيعها على الشركاء.
2. البيع بالمزاد العلني
إذا كان العقار غير قابل للتجزئة (كفلة سكنية أو عمارة لا تقبل التجزئة الهندسية)، فإن محاولة قسمته ستؤدي حتماً إلى تضرر قيمته أو تعطل الانتفاع به. في هذه الحالة، تلجأ المحكمة إلى الخيار الجذري وهو بيع العقار كاملاً في المزاد العلني، ثم توزيع الثمن النقدي على الشركاء كلٌ بحسب مقدار حصته.
حلول بديلة: قسمة المهايأة (الانتفاع المؤقت)
قد يرغب الشركاء في الاحتفاظ بالعقار وعدم بيعه، مع رغبة كل منهم في الاستفادة منه دون تدخل الآخرين. هنا يبرز الحل الذي نصت عليه المادة الرابعة والثلاثون بعد الستمائة من نظام المعاملات المدنية، وهو “المهايأة”، وتعني قسمة منفعة العقار بين الشركاء على نحوين:
- مهايأة زمانية: كأن ينتفع بالعقار كل شريك لعدة أشهر بالتناوب.
- مهايأة مكانية: كأن يسكن أو يستغل كل شريك شقة أو جزءاً معيناً داخل العمارة بمقدار حصته.
ملاحظة: هذا الإجراء لا ينهي حالة الشيوع في الملكية، بل ينظم فقط طريقة الانتفاع من العقار.
الخطوة الأخيرة: توثيق الملكية واستخراج الصكوك
بمجرد صدور حكم المحكمة بقسمة العقار أو تصديقها على اتفاق الشركاء، تنتقل الإجراءات لمرحلة التوثيق التنفيذية:
- نصت المادة السابعة عشرة من لائحة قسمة الأموال المشتركة على أن المحكمة تُصدر حكماً مستقلاً بقسمة ما يمكن قسمته قسمة إجبار وتسليم كل شريك نصيبه.
- تتولى كتابة العدل بعد ذلك إصدار صكوك الملكية المستقلة (صكوك التجزئة أو الفرز).
- تبدأ صفحة جديدة من الملكية المستقرة والمستقلة لكل شريك بعيداً عن مشكلات الشيوع.
خلاصة القول
البقاء في الشراكة العقارية ليس قدراً حتمياً إذا تضاربت المصالح. لقد رسم المنظم السعودي خريطة طريق واضحة وإجراءات مرنة تضمن حق كل شريك في الانفراد بحصته، سواء تم ذلك عبر اتفاق حبي يُوثق نظاماً، أو عبر تقاضٍ يضمن عدم الإضرار بالمال المشترك، لتستمر عجلة الاستثمار والاستقرار العقاري بوضوح تام.



