العقد التجاري أداة لتنظيم المبادلات والالتزامات بين المنشآت والتجار، غير أن وصف العقد بأنه تجاري لا يعفيه من قواعد صحة العقد وتنفيذه الواردة في نظام المعاملات المدنية، ما لم يرد نص خاص يحكم نوع العقد أو النشاط محل التعامل. ويجب التمييز بدقة بين البطلان، وإبطال العقد، والفسخ، والانفساخ؛ لأن لكل وصف سبباً وآثاراً وإجراءات مختلفة. ويترتب على الخلط بينها تبنّي مطالبة غير مناسبة، كطلب فسخ عقد لم ينعقد صحيحاً من الأصل، أو الادعاء بالبطلان مع أن الواقعة لا تعدو أن تكون إخلالاً قابلاً للعلاج بالتنفيذ أو التعويض. ويؤكد نظام المعاملات المدنية سريان قواعده على العقود المسماة وغير المسماة دون إخلال بالنصوص الخاصة، وفق المادة الثلاثين منه.
متى يكون العقد التجاري باطلاً؟
يكون العقد باطلاً إذا اختل شرط جوهري من شروط انعقاده أو صحته على نحو يمنع ترتيب آثاره النظامية. فمن حيث الرضا، يتحقق التراضي بتوافق إرادتين أو أكثر صادرتين ممن يملك أهلية التعاقد، مع التعبير عن الإرادة بما يدل عليها؛ وهو ما تقرره المادة الثانية والثلاثون من نظام المعاملات المدنية. ولذلك، فإن غياب التراضي، أو صدور التصرف ممن لا يملك الصلاحية النظامية لإلزام الشركة، قد يثير مسألة صحة العقد أو نفاذه بحسب الوقائع وسند التمثيل.
ومن أبرز أسباب البطلان أن يكون محل الالتزام مستحيلاً في ذاته، أو مخالفاً للنظام العام، أو غير معين بذاته أو بنوعه ومقداره ولا قابلاً للتعيين. وقد نصت المادة الثانية والسبعون صراحة على بطلان العقد عند تخلف أي من هذه الشروط. فمثال ذلك اتفاق تجاري على محل محظور نظاماً، أو التزام مجهول لا يمكن تحديده من العقد أو من معيار متفق عليه.
كذلك، يبطل العقد إذا كان السبب الباعث على إبرامه غير مشروع متى صرح به في العقد أو دلت عليه ظروف التعاقد، وفق المادة الخامسة والسبعين. أما إذا لم يذكر السبب، فالأصل افتراض مشروعيته إلى أن يقوم الدليل على خلاف ذلك.
ولا يعني وجود شرط باطل دائماً بطلان العقد كاملاً؛ فالأصل، بموجب المادة الرابعة والسبعين، بطلان الشرط وحده. لكن يجوز للمتعاقد طلب إبطال العقد كله إذا أثبت أنه ما كان ليرضى بالتعاقد لولا ذلك الشرط.
الفرق بين البطلان وإبطال العقد
البطلان يختلف عن قابلية العقد للإبطال. فالعقد القابل للإبطال قد يستوفي أركانه الظاهرة، إلا أن إرادة أحد المتعاقدين شابها عيب معتبر. ومن أمثلته الغلط الجوهري الذي لولاه لم يرض المتعاقد بالعقد، وبخاصة إذا تعلق الغلط بصفة محل العقد، أو بشخص المتعاقد الآخر أو صفته، أو بحكم نظامي؛ وذلك وفق المادة السابعة والخمسين من نظام المعاملات المدنية.
وفي البطلان، يجوز لكل ذي مصلحة التمسك به، ولالمحكمة القضاء به من تلقاء نفسها، ولا يصحح البطلان بالإجازة. كما لا تسمع دعوى البطلان بعد مضي عشر سنوات من تاريخ التعاقد، مع بقاء الحق في الدفع بالبطلان في أي وقت؛ وفق المادة الحادية والثمانين. وعند الحكم بالبطلان أو الإبطال، يعود المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، وإذا تعذر ذلك جاز الحكم بالتعويض، وفق المادة الثانية والثمانين.
متى يكون العقد التجاري قابلاً للفسخ؟
الفسخ لا يفترض بطلان العقد، بل يفترض عقداً صحيحاً ملزماً للجانبين أخل فيه أحد المتعاقدين بالتزامه. فمثلاً، قد ينعقد عقد توريد صحيح، ثم يمتنع المورد عن تسليم البضاعة في الموعد المتفق عليه، أو يمتنع العميل عن تنفيذ التزام مقابل غير مالي مستحق بموجب العقد.
وبحسب المادة السابعة بعد المائة من نظام المعاملات المدنية، إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه في العقد الملزم للجانبين، فللمتعاقد الآخر، بعد إعذار الطرف المخل، أن يطلب التنفيذ أو الفسخ، وله طلب التعويض عند وجود مقتضٍ له. ولا تقضي المحكمة بالفسخ إذا كان الجزء غير المنفذ قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام محل العقد.
ويجوز للطرفين الاتفاق صراحة على حق الدائن في فسخ العقد عند إخلال المدين بالتزاماته دون حاجة إلى حكم قضائي، وفق المادة الثامنة بعد المائة. غير أن هذا الاتفاق لا يعفي من الإعذار إلا إذا نص العقد صراحة على الإعفاء منه. لذلك، يلزم عند صياغة العقد التجاري تحديد الالتزامات التي يترتب على مخالفتها الفسخ، وطريقة الإعذار، والمهلة المحددة لتصحيح الإخلال.
الانفساخ وآثار إنهاء العقد
يختلف الانفساخ عن الفسخ؛ فالانفساخ يتحقق تلقائياً عند استحالة تنفيذ الالتزام بسبب لا يد للمدين فيه. وتنص المادة العاشرة بعد المائة على انقضاء الالتزام والالتزام المقابل وانفساخ العقد من تلقاء نفسه في هذه الحالة. أما إذا كانت الاستحالة جزئية، فينقضي الجزء المستحيل وما يقابله، ويجوز للدائن طلب الفسخ إذا لم يكن الجزء المستحيل قليل الأهمية.
وفي الأصل، يعيد الفسخ أو الانفساخ المتعاقدين إلى ما كانا عليه قبل التعاقد، مع إمكان التعويض عند تعذر إعادة الحال. لكن العقود الزمنية، مثل بعض عقود الخدمات والتوزيع المستمر، لا يكون للفسخ أو الانفساخ فيها أثر رجعي، وفق المادة الحادية عشرة بعد المائة.
خلاصة عملية
لا يعد كل نزاع تجاري سبباً لبطلان العقد أو فسخه. فالبطلان يتعلق بعيب في أصل العقد، كعدم مشروعية المحل أو السبب أو عدم قابلية المحل للتعيين. والإبطال يتعلق غالباً بعيب مؤثر في الإرادة، كالغلط الجوهري. أما الفسخ فينشأ عن إخلال لاحق بتنفيذ عقد صحيح، ويستلزم في الأصل إعذار الطرف المخل قبل المطالبة به. ولذلك، ينبغي فحص العقد والمراسلات وسندات الصلاحية وطبيعة الإخلال قبل تحديد الوصف النظامي والمطالبة القضائية المناسبة.



