يمثل العقد التجاري حجر الزاوية الذي تُبنى عليه العلاقات التجارية وتُحمى به الحقوق. إلا أن الكثير من الشركات تقع في فخ صياغة عقود ضعيفة أو غامضة، مما يفتح الباب على مصراعيه للنزاعات المكلفة التي قد تهدد استقرار الشركة المالي.
إن حماية شركتك من هذه الثغرات لا تبدأ عند نشوء الخلاف، بل تبدأ من اللحظة الأولى لصياغة العقد وتوثيقه، سواء كان ذلك عقد توريد، مقاولة، أو عقد وكالة تجارية. فكيف تبني حصناً منيعاً حول تعاملاتك التجارية؟
1. قوة الكلمة المكتوبة: أساس الحجية القانونية
أول وأهم خطوة للحماية هي التوثيق الكتابي. فالاعتماد على الاتفاقات الشفهية هو بمثابة بناء على الرمال. يؤكد نظام الإثبات السعودي على حجية المحررات، سواء كانت رسمية أم عادية:
- المحرر الرسمي والعادي: تميز المادة الخامسة والعشرون من نظام الإثبات بين المحرر الرسمي (الذي يجريه موظف عام) والمحرر العادي. وحتى المحرر العادي، الذي هو غالبية العقود التجارية، له حجيته الكاملة. فقد نصت المادة التاسعة والعشرون من ذات النظام على أن “المحرَّر العادي يعد صادراً ممن وقعه وحجة عليه؛ ما لم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه”. مجرد توقيع ممثل الشركة على عقد يجعل كل ما فيه ملزماً لها.
- الوضوح المطلق: القاعدة الذهبية في الصياغة القانونية هي الوضوح. فالمادة الرابعة بعد المائة من نظام المعاملات المدنية تنص بوضوح: “إذا كانت عبارة العقد واضحةً فلا يُعدل عن مدلولها بحجة تفسيرها”. هذا يعني أن المحكمة لن تبحث عن نية خفية إذا كان النص جلياً. كلما كانت البنود مباشرة ودقيقة، قل مجال الجدل والتأويل.
2. بناء العقد الحصين: بنود لا يمكن تجاهلها
العقد القوي ليس مجرد اتفاق على السعر والخدمة، بل هو وثيقة شاملة تتنبأ بالمخاطر وتضع الحلول مسبقاً. لحماية شركتك، يجب أن يتضمن العقد ما يلي:
- تحديد دقيق لمحل الالتزام: يجب وصف المنتج أو الخدمة وصفاً نافياً للجهالة. المادة الثانية والسبعون من نظام المعاملات المدنية تشترط في محل الالتزام أن يكون “معيَّنًا بذاته أو بنوعه ومقداره أو قابلًا للتعيين”.
- آلية تسعير واضحة وشروط السداد: لا تكتفِ بذكر السعر الإجمالي، بل فصل شروط الدفع، تواريخ الاستحقاق، وأي رسوم إضافية.
- توزيع المسؤوليات وتحديد الصلاحيات: تحديد المسؤول عن التراخيص، حقوق الملكية الفكرية، والأشخاص المخولين بالتوقيع (خاصة في حالات عقد وكالة التي تتطلب صلاحيات محددة).
- سيناريوهات الإخلال والحلول: وضع بنود واضحة للتعويضات، الشروط الجزائية، وحق إنهاء العقد لردع الطرف الآخر عن التقصير.
3. منظور القضاء: كيف يقرأ القاضي عقدك؟
عند نشوء نزاع، ينتقل العقد من كونه أداة عمل إلى كونه دليلاً أمام المحاكم التجارية (المختصة بنظر المنازعات التجارية وفقاً للمادة السادسة عشرة من نظامها). سيقوم القاضي بتفسير العقد وفق قواعد محددة:
- البحث عن الإرادة المشتركة: إذا كان النص غامضاً، سيبحث القاضي عن “الإرادة المشتركة للمتعاقدين”، مستعيناً بطبيعة المعاملة والعرف ومبدأ حسن النية.
- تفسير الشك لمصلحة المدين: قاعدة “الشك يفسر لمصلحة المدين” تعني أن أي غموض في صياغة التزام ما، سيتم تفسيره بالطريقة الأقل عبئاً على الطرف الملتزم به. هذه القاعدة هي تحذير شديد اللهجة ضد الصياغة الغامضة.
الخاتمة
إن توثيق العقود التجارية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو علم وفن يتطلب رؤية استراتيجية وخبرة قانونية. العقد المحكم هو استثمار في استقرار شركتك ونموها، يمنع النزاعات قبل وقوعها، ويمنحك موقفاً قوياً إن وقعت. الاستعانة بمحامٍ متخصص في مرحلة الصياغة والمراجعة ليس ترفاً، بل هو خط الدفاع الأول والأهم لحماية أصول شركتك ومستقبلها.
تواصل الآن مع شركة مساواة للمحاماة والاستشارات القانونية :



