يُنظر إلى الإفلاس غالباً على أنه نهاية المطاف لأي نشاط تجاري، إلا أن نظام الإفلاس السعودي جاء بفلسفة تشريعية حديثة تهدف إلى تمكين المدين من تنظيم أوضاعه المالية ومعاودة نشاطه. ووفقاً لـ المادة الخامسة من النظام، فإن أحد أبرز أهدافه هو دعم الاقتصاد من خلال منح المدين فرصة لتصحيح مساره.
لذا، الإجابة على سؤال “هل يمكن للمدين الاستمرار؟” ليست “لا” قاطعة، بل تعتمد على نوع الإجراء المتبع.
تفاوت صلاحيات المدين بحسب نوع الإجراء
فرق النظام بوضوح بين صلاحيات المدين في إدارة نشاطه بناءً على ثلاث حالات رئيسية:
1. السيطرة الكاملة: إجراء التسوية الوقائية
في هذا الإجراء الذي يسبق الوصول لمرحلة التعثر الحاد، يهدف المدين للتوصل إلى اتفاق مع دائنيه.
- الإدارة: يحتفظ المدين بإدارة كاملة لنشاطه.
- الصلاحيات: يمارس أعماله اليومية، يبرم العقود، ويدير موظفيه دون إشراف قضائي مكثف، مما يشجع على اللجوء المبكر لهذا الحل.
2. الإدارة المشروطة: إعادة التنظيم المالي
يُعد هذا المسار هو “طوق النجاة” للأنشطة المتعثرة. وتنص المادة 69 على استمرار المدين في الإدارة، ولكن تحت قيود:
- الإشراف: يُعين أمين إفلاس لمراقبة الإدارة وضمان مصلحة الدائنين.
- الموافقة المسبقة: وفقاً لـ المادة 70، يُحظر على المدين القيام بتصرفات معينة دون موافقة الأمين، مثل: (طلب تمويل، سداد ديون، بيع أصول جوهرية، أو تأسيس شركات تابعة).
- ملاحظة: للمحكمة صلاحية “غل يد المدين” وتكليف الأمين بالإدارة في حال ثبت إهماله أو سوء إدارته.
3. غل اليد الكامل: إجراءات التصفية
حينما تصل الأمور إلى طريق مسدود، يُطبق إجراء التصفية أو التصفية الإدارية (المواد 100 و171):
- فقدان السيطرة: تغل يد المدين تماماً عن إدارة النشاط فور تعيين الأمين أو لجنة الإفلاس.
- بطلان التصرفات: يُعد باطلاً نظاماً كل تصرف يجريه المدين على أصوله بعد قرار غل اليد، حيث يحل الأمين محله تماماً.
الخاتمة
يوضح نظام الإفلاس السعودي أن استمرارية النشاط ممكنة بل ومُشجعة في المراحل المبكرة (التسوية الوقائية)، وتكون خاضعة لرقابة دقيقة في مرحلة إعادة الهيكلة. وحتى في حال التصفية، يفتح النظام باب الأمل للأفراد (المدين ذو الصفة الطبيعية) عبر المادة 150، التي تسمح بإزالة اسمه من سجل الإفلاس بعد مدة محددة، ليعود لممارسة الأعمال التجارية مجدداً كفرد منتج في الاقتصاد الوطني.



