في عالم الأعمال المعاصر، تتخذ مجالس الإدارات في الشركات قرارات استراتيجية كبرى ترسم مستقبل الكيان وتحدد مصير استثماراته. وغالباً ما يُنظر إلى دور “المستشار القانوني” بشكل تقليدي على أنه يقتصر على صياغة العقود ومراجعتها أو الترافع في القضايا متى ما وقعت المشكلة.

إلا أن الواقع التشريعي والتنظيمي في المملكة العربية السعودية، لا سيما في ظل التطور المستمر لنظام الشركات ولائحة حوكمة الشركات، قد ارتقى بدور المستشار القانوني ليجعله شريكاً استراتيجياً وصمام أمان لمجلس الإدارة؛ حيث يتجاوز دوره مجرد إبداء “الرأي القانوني” المجرد ليصل إلى حماية الشركة وأعضاء مجلس إدارتها بأشخاصهم.

1. الدرع الواقي من المسؤولية الشخصية والتضامنية

لعل من أخطر التحديات التي تواجه أعضاء مجلس الإدارة هي احتمالية تعرضهم للمسؤولية الشخصية في أموالهم الخاصة نتيجة لقراراتهم.

  • ماذا يقول النظام؟ نصت المادة الثامنة والعشرون من نظام الشركات بوضوح على أن:”أعضاء مجلس الإدارة مسؤولون بالتضامن عن تعويض الشركة أو المساهمين أو الغير عن الضرر الذي ينشأ بسبب مخالفة أحكام النظام أو نظام الشركة الأساس، أو بسبب ما يصدر منهم من أخطاء أو إهمال أو تقصير في أداء أعمالهم”.

كيف يتدخل المستشار القانوني للحماية؟

هنا يبرز الدور الاستباقي والمحوري للمستشار القانوني، حيث يعمل على:

  • تقييم مآلات القرارات: لا يكتفي بتقييم مدى مشروعية القرار تجارياً، بل يدرس المخاطر المحتملة التي قد تُكيّف لاحقاً في المحاكم على أنها “إهمال أو تقصير”.
  • تحصين المحاضر: يدعم أمين سر المجلس في ضمان صياغة محاضر الاجتماعات، والقرارات، والتحفظات بطريقة قانونية دقيقة تعكس حرص المجلس، وتنفيه عن شبهة التقصير، مما يحصن الأعضاء المعارضين أو المتحفظين من تبعات القرارات الخاطئة.

2. ترجمة “واجبات العناية والولاء” إلى ممارسات عملية

لقد ألزم المنظم السعودي أعضاء مجلس الإدارة بواجبات صارمة ومحددة، حيث بينت المادة السادسة والعشرون من نظام الشركات وجوب التزام العضو بواجبات “العناية والولاء”، والتي من أبرزها:

  1. ممارسة المهام في حدود الصلاحيات.
  2. العمل على مصلحة الشركة.
  3. بذل العناية والاهتمام المعقولة.
  4. تجنب حالات تعارض المصالح.

ضبط آلية الإفصاح (المادة 71)

وفي هذا السياق، وتحديداً عند التطبيق الدقيق لـ المادة الحادية والسبعين المتعلقة بوجوب الإفصاح عن المصلحة في الأعمال والعقود التي تتم لحساب الشركة، يقوم المستشار القانوني بدور جوهري يتجاوز النصح النظري:

  • يضع للمجلس الآليات والإجراءات المؤسسية التي تضمن إفصاح الأعضاء بشكل صحيح وموثق.
  • يوجه بمنع الأعضاء ذوي المصلحة من التصويت في حالات التعارض.

النتيجة: هذا التدخل الحاسم يحمي عقود الشركة من البطلان، ويقي العضو صاحب المصلحة وبقية أعضاء المجلس من المساءلة القضائية التي قد تصل إلى الإلزام برد الأرباح أو المنافع المتحققة.

3. دعم الاستقلالية واللجان المنبثقة عن المجلس

إضافة إلى دعم المجلس ككل، يشكل المستشار القانوني أو الخبير المستقل دعامة أساسية للجان المنبثقة عن المجلس التي تدرس أدق تفاصيل الشركة (مثل لجنة المراجعة أو لجنة الترشيحات والمكافآت).

وقد أكدت المادة التاسعة والأربعون من لائحة حوكمة الشركات على أنه:

“يجوز للجان المجلس الاستعانة بمن تراه من الخبراء والمختصين من داخل الشركة أو من خارجها لدراسة الموضوعات المحالة إليها”.

إن تقديم الاستشارة القانونية المستقلة لهذه اللجان يضمن أن توصياتها المرفوعة للمجلس تتوافق تماماً مع المتطلبات النظامية وأفضل ممارسات الحوكمة، مما يسهل على المجلس اتخاذ القرار النهائي بثقة تامة.

خلاصة القول: مهندس المخاطر الاستراتيجية

إن المستشار القانوني في قاعات مجالس الإدارة ليس مجرد مراجع للنصوص، بل هو “مهندس للمخاطر الاستراتيجية”.

إن إشراكه المبكر في نقاشات المجلس منذ تبلور الفكرة يضمن:

  • صدور قرارات استثمارية وإدارية محصنة نظامياً.
  • إبعاد شبح المسؤولية التضامنية عن الأعضاء.
  • ترجمة مبادئ الحوكمة وحسن النية إلى ممارسة واقعية ملموسة تعزز من ثقة المساهمين والجهات الرقابية في قيادة الشركة.

نصيحة ختامية: لا ينبغي للشركات أن تنتظر وقوع الأزمة للبحث عن مخرج قانوني، بل يجب أن تجعل من المستشار القانوني بوصلتها لتفادي الأزمات منذ لحظة التفكير في القرار.

error: البيانات محمية !!