يُعد حق اللجوء إلى القضاء من الحقوق الأصيلة المكفولة للجميع، إلا أن البعض قد ينحرف بهذا الحق عن مساره المشروع، مستخدماً إياه كأداة للإضرار بالآخرين، وتشويه سمعتهم، واستنزاف أموالهم وأوقاتهم عبر ما يُعرف بـ “الدعاوى الكيدية”.

في المملكة العربية السعودية، يقف النظام بحزم أمام هذه الممارسات العبثية؛ ليحمي المتقاضين ويضمن تعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم.

الموقف الحازم للقضاء: الرفض والتعزير

لم يترك المنظم السعودي ساحات المحاكم عرضة لتصفية الحسابات الشخصية. فقد نصت المادة الثالثة من نظام المرافعات الشرعية بوضوح على أنه:

“إن ظهر للمحكمة أن الدعوى صورية أو كيدية وجب عليها رفضها، ولها الحكم على من يثبت عليه ذلك بتعزير”.

هذا يعني أن القاضي يملك السلطة التقديرية لإيقاع عقوبة تعزيرية (كالسجن أو الغرامة) على المدعي الكيدي؛ لردعه وردع أمثاله من إشغال السلطات القضائية بالباطل.

حقك الأصيل في جبر الضرر

إذا تعرضت لدعوى كيدية، فإن حقك لا يقتصر على مجرد صدور حكم برد الدعوى وإخلاء ساحتك، بل يمتد لـ جبر الضرر المادي والمعنوي الذي أصابك، مثل:

  • أتعاب المحاماة والاستشارات القانونية.
  • مصاريف التنقل والاتصالات.
  • الإضرار بالسمعة التجارية أو الشخصية.

وقد أكدت المادة الرابعة من قواعد الحد من آثار الشكاوى الكيدية والدعاوى الباطلة على هذا الحق بقولها:

“من تقدم بدعوى خاصة وثبت للمحكمة كذب المدعي في دعواه فللقاضي أن ينظر في تعزيره، وللمدعى عليه المطالبة بالتعويض عما لحقه من ضرر بسبب هذه الدعوى”.

المسارات الإجرائية: كيف تطالب بالتعويض عملياً؟

لكي تحمي نفسك وتسترد حقوقك بفعالية، وفر لك النظام مسارين إجرائيين مرنين للمطالبة بالتعويض، كما بينت الفقرة (5) من المادة الثالثة في اللائحة التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية، والتي أتاحت للمتضرر المطالبة بالتعويض بخيارين:

1. الطلب العارض (في نفس الدعوى)

وهو المسار الأسرع، حيث يحق لك وأنت في موقف “المدعى عليه” أن تشن هجوماً مضاداً داخل نفس الجلسات. وقد كفلت المادة الرابعة والثمانون من نظام المرافعات الشرعية للمدعى عليه أن يقدم طلبات عارضة، منها:

  • «طلب الحكم له بتعويض عن ضرر لحقه من الدعوى الأصلية، أو من إجراء فيها».

ميزة هذا المسار: أن القاضي يكون ملمّاً بكافة تفاصيل القضية ويدرك كيديتها، مما يسهل عليه تقدير التعويض المناسب والحكم به بالتزامن مع حكمه برد الدعوى الأصلية.

2. الدعوى المستقلة

إذا انتهت الدعوى الأصلية بحكم نهائي يثبت كذب المدعي وكيدية دعواه، ولم تكن قد طلبت التعويض مسبقاً أثناء سير القضية، فيحق لك هنا رفع دعوى حقوقية جديدة ومستقلة، تستند فيها إلى الحكم السابق وتطالب بتقدير الأضرار التي لحقت بك وتعويضك عنها مالياً.

خلاصة القول

إذا تم جرك إلى أروقة المحاكم بدعوى تعلم يقيناً أنها مبنية على الكذب والكيد، فلا تكتفِ بموقف المدافع.

اجمع أدلتك التي تثبت سوء نية خصمك، واطلب من الدائرة القضائية تطبيق النظام بحقه تعزيراً وتضميناً. إن مطالبتك بالتعويض ليست مجرد استرداد لحقك المالي أو المعنوي، بل هي مساهمة فعالة في تطهير بيئة التقاضي من العابثين.

error: البيانات محمية !!