تُمثل العقارات الجزء الأكبر والأكثر قيمة في ثروات الأفراد، ولذلك غالباً ما تتجه رغبة الملاك إلى توجيه مصير هذه العقارات بعد وفاتهم من خلال “الوصية”، سواء لجهات خيرية أو لأشخاص معينين.

إلا أن تصرف الإنسان في ماله بعد وفاته ليس مطلقاً في النظام السعودي، بل يخضع لضوابط دقيقة أرساها “نظام الأحوال الشخصية” لتحقيق التوازن بين إرادة المتوفى وحقوق الورثة والغرماء.

ما هي الوصية العقارية؟ وما هي أولويات تنفيذها؟

عرّفت المادة التاسعة والستون بعد المائة من نظام الأحوال الشخصية الوصية بأنها:

“تصرف بمال على وجه التبرع مضاف إلى ما بعد موت الموصي”.

وهذا يشمل بطبيعة الحال العقارات بأنواعها. ولكن، قبل أن يُنقل العقار الموصى به إلى المستفيد، هناك حاجز قانوني وأولوية نظامية يجب مراعاتها؛ حيث نصت المادة الحادية والسبعون بعد المائة على أن الوصية لا تنفذ إلا بعد:

  1. إخراج نفقات تجهيز الميت.
  2. أداء ديونه بالكامل.

فإذا كان على المتوفى ديون تستغرق التركة، أو كان العقار مرهوناً، فإن سداد الدين يُقدم نظاماً على تنفيذ الوصية.

حاجز الثلث: هل يمكنك الوصية بكامل عقاراتك؟

من الأخطاء الشائعة اعتقاد البعض بقدرتهم على الوصية بكامل ثروتهم العقارية لجهة معينة. لقد وضع النظام حماية صارمة لحقوق الورثة من خلال المادة التسعين بعد المائة التي قررت:

  • النفاذ التلقائي: تنفذ الوصية بقوة النظام إذا لم تزد على (ثلث) التركة.
  • شرط الإجازة: إذا أوصى شخص بعقار تبلغ قيمته نصف التركة (أكثر من الثلث)، فإن الزيادة تُوقف على “إجازة الورثة” وموافقتهم بعد الوفاة؛ فمن أجازها منهم نُفذت في حقه، ومن رفضها بطلت في حصته.

تخصيص أحد الورثة بعقار: حماية الأسرة من النزاعات

من أكثر المسائل حساسية هي رغبة الأب أو الزوج في كتابة وصية تخص أحد أبنائه أو زوجته بعقار معين (كمنزل الأسرة مثلاً). هنا تتدخل المادة التاسعة والسبعون بعد المائة لتحسم الأمر بقاعدة قطعية:

“لا وصية لوارث إلا إذا أجازها بعد الوفاة باقي الورثة”.

يهدف هذا المنع إلى سد أبواب النزاعات العائلية ودرء الضغائن، وضمان توزيع التركة وفق الأنصبة الشرعية العادلة ما لم يتراضَ الورثة طوعاً على غير ذلك بعد الوفاة.

خيار بديل: الوصية بمنفعة العقار (السكنى)

قد لا يرغب الموصي في نقل ملكية الرقبة (أصل العقار)، بل في منح شخص ما حق استخدامه (كالسكن فيه) لمدة محددة أو طيلة حياته. عالج النظام هذا النوع بمرونة عالية في المادة الثانية والتسعين بعد المائة:

  • يمكن الوصية بـ “منفعة عين”.
  • يُحسب خروج هذه المنفعة من “ثلث التركة” بناءً على تقييم قيمة المنفعة من قِبل المختصين، سواء كانت الوصية مؤبدة، أو لمدة حياة الموصى له، أو مؤقتة بمدة محددة.

خلاصة القول: وعي قانوني قبل التنفيذ

كتابة الوصية العقارية في السعودية تتطلب دقة نظامية عالية. إن الركائز الأساسية لضمان نفاذ وصيتك وتجنب إدخال ورثتك في أروقة المحاكم تتلخص في:

  1. قاعدة الثلث: التأكد من قيمة العقار مقارنة بإجمالي التركة.
  2. صفة الموصى له: هل هو وارث (يحتاج إجازة) أم غير وارث؟
  3. براءة الذمة: التأكد من خلو العقار أو التركة من الديون المانعة لنفاذ الوصية.

نصيحة: يُفضل دائماً توثيق الوصية رسمياً لضمان سلامتها من الناحية النظامية وحفظ حقوق جميع الأطراف.

error: البيانات محمية !!