المقدمة
يُستعمل مصطلحا الحكم القضائي والسند التنفيذي أحياناً على أنهما مترادفان، مع أن لكل منهما وظيفة نظامية مختلفة. فالحكم القضائي يصدر عن المحكمة للفصل في خصومة معروضة عليها، بينما السند التنفيذي هو الوثيقة التي يجيز النظام التنفيذ الجبري بمقتضاها إذا تضمن حقاً محدد المقدار حال الأداء. وقد يكون الحكم القضائي سنداً تنفيذياً عند استيفاء متطلبات التنفيذ، إلا أن السند التنفيذي لا يقتصر على الأحكام القضائية وحدها
ويترتب على هذا الفرق أثر عملي مهم للدائن والمدين: فمن لا يملك سنداً تنفيذياً يحتاج، في الأصل، إلى سلوك طريق الدعوى لإثبات حقه أمام المحكمة المختصة؛ أما من يملك سنداً تنفيذياً مستوفياً للشروط فيستطيع التقدم بطلب تنفيذ مباشر دون إعادة مناقشة أصل الحق أمام قاضي التنفيذ. ويستند ذلك إلى المادة التاسعة من نظام التنفيذ التي حصرت السندات التنفيذية وأوجبت أن يكون الحق محدد المقدار وحال الأداء.
الحكم القضائي: مصدره وقوته الحكم القضائي هو قرار يصدر من محكمة مختصة بعد إقامة دعوى، وتبليغ الخصوم، وتمكينهم من عرض الطلبات والدفوع والأدلة، ثم فصل المحكمة في النزاع بمنطوق ملزم في الحدود التي يحددها الحكم. ولذلك فإن الحكم يتصل ابتداءً بمرحلة القضاء الموضوعي، أي مرحلة التحقق من وجود الحق ومقداره ومن يتحمل الالتزام به.
وتظهر قوة الحكم القضائي في كونه نتيجة لإجراءات قضائية تضمن مواجهة الخصوم وتمكينهم من الدفاع. فإذا قضت المحكمة بإلزام شخص بسداد مبلغ أو تسليم مال أو تنفيذ التزام معين، فإن الحكم يثبت الحق في مواجهة المحكوم عليه وفق منطوقه. غير أن صدور الحكم لا يعني بالضرورة البدء الفوري في التنفيذ الجبري؛ إذ يجب أن يكون الحكم قابلاً للتنفيذ وأن تستكمل متطلبات الصيغة التنفيذية بحسب حالته النظامية.
وقد قررت المادة الثامنة والستون بعد المائة من نظام المرافعات الشرعية أن صك الحكم الذي يكون التنفيذ بموجبه يذيل بالصيغة التنفيذية ويختم بخاتم المحكمة، ولا يسلم إلا إلى الخصم ذي المصلحة في تنفيذه. وعليه، فإن الحكم هو أداة الفصل في النزاع، ثم يصبح أداة تنفيذ عند اكتساب الصفة التي تجيز تنفيذه واستكمال إجراءاته.
السند التنفيذي: مفهومه وأنواعه السند التنفيذي هو محرر منحه النظام قوة التنفيذ الجبري، بما يمكّن صاحب الحق من طلب إلزام المدين بالتنفيذ عبر قاضي التنفيذ. ولا يشترط أن يكون السند التنفيذي حماً قضائياً؛ لأن النظام اعترف بوثائق أخرى يمكن التنفيذ بموجبها متى استوفت شروطها النظامية.
وتنص المادة التاسعة من نظام التنفيذ على أن التنفيذ الجبري لا يكون إلا بسند تنفيذي لحق محدد المقدار حال الأداء. كما حددت السندات التنفيذية على النحو الآتي:
- الأحكام والقرارات والأوامر الصادرة من المحاكم.
- أحكام المحكمين المذيلة بأمر التنفيذ وفق نظام التحكيم.
- محاضر الصلح الصادرة من الجهات المخولة بذلك أو التي تصدق عليها المحاكم.
- الأوراق التجارية.
- العقود والمحررات الموثقة.
- الأحكام والأوامر القضائية وأحكام المحكمين والمحررات الموثقة الصادرة في بلد أجنبي، وفق الشروط النظامية المقررة لتنفيذها.
- الأوراق العادية التي يقر المدين باستحقاق مضمونها كلياً أو جزئياً.
- العقود والأوراق التي يمنحها نظام خاص قوة السند التنفيذي.
وبذلك، فإن السند لأمر أو الشيك أو محضر الصلح المعتمد أو العقد الموثق قد يتيح لصاحبه مسار التنفيذ مباشرة، على خلاف المطالبة العادية أو الفاتورة أو المراسلة المنفردة التي لا تكتسب بذاتها قوة السند التنفيذي ما لم يقرر النظام خلاف ذلك.
الفرق في الإجراءات بين الدعوى والتنفيذ عند عدم وجود سند تنفيذي، يبدأ صاحب الحق برفع دعوى لدى المحكمة المختصة لإثبات أصل حقه. وتشمل هذه المرحلة تقديم صحيفة الدعوى، وتبليغ المدعى عليه، وتبادل الدفوع، وتقديم المستندات والأدلة، ثم صدور الحكم. وقد يمر الحكم بمراحل الاعتراض المقررة قبل اكتساب صفة التنفيذ، بحسب نوع الحكم وحالته.
أما عند وجود سند تنفيذي، فلا يعاد رفع دعوى لإثبات الدين أو الالتزام الذي تضمنه السند. بل يقدم صاحب الحق طلباً إلى قاضي التنفيذ. وتنص المادة الرابعة والثلاثون من نظام التنفيذ على أن التنفيذ يتم بناءً على طلب يقدمه طالب التنفيذ، وأن قاضي التنفيذ يتحقق من وجود الصيغة التنفيذية على السندات المحددة في الفقرات الأولى والثانية والثالثة من المادة التاسعة، ويتحقق من استيفاء بقية السندات للشروط النظامية ويضع عليها خاتم التنفيذ عند الاقتضاء.
بعد ذلك، يصدر قاضي التنفيذ أمراً بالتنفيذ إلى المدين مرفقاً به نسخة من السند التنفيذي، ويبلغ المدين وفق إجراءات التبليغ النظامية. وإذا تعذر تبليغه خلال عشرين يوماً من تاريخ صدور أمر التنفيذ، يأمر القاضي بنشر الإبلاغ وفق ما نصت عليه المادة الرابعة والثلاثون من نظام التنفيذ.
الاختصاص ومنازعات التنفيذ لا يختص قاضي التنفيذ بإعادة بحث أصل النزاع الذي حسمه الحكم أو الذي ثبت في السند التنفيذي. فوظيفته هي تحقيق مقتضى السند في الواقع، والتحقق من استيفائه للشروط الشكلية والنظامية، واتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري عند امتناع المنفذ ضده عن الوفاء.
وتوضح المادة الثالثة من نظام التنفيذ أن قاضي التنفيذ يختص بالفصل في منازعات التنفيذ وإصدار القرارات والأوامر المتعلقة به. وتشمل منازعات التنفيذ، على سبيل المثال، الادعاء بتزوير السند أو إنكار التوقيع عليه، أو الادعاء بالوفاء أو الإبراء أو الصلح أو المقاصة أو التأجيل بعد صدور السند التنفيذي. أما المنازعة في أصل الحق، مثل النزاع بشأن إخلال أحد طرفي عقد توريد أو مقاولة بالتزاماته قبل ثبوت الحق في سند تنفيذي، فتظل من اختصاص قاضي الموضوع.
الخلاصة
الحكم القضائي والسند التنفيذي ليسا مفهومين متطابقين. فالحكم القضائي يفصل في خصومة ويثبت الحق قضائياً، بينما السند التنفيذي يفتح طريق التنفيذ الجبري لحق ثابت ومحدد المقدار وحال الأداء. وقد يكون الحكم القضائي سنداً تنفيذياً بعد استيفاء متطلبات التنفيذ، لكن السند التنفيذي قد يكون أيضاً ورقة تجارية أو عقداً موثقاً أو محضر صلح معتمداً.
ولذلك، فإن التوثيق السليم للالتزامات التجارية والمالية لا يقتصر أثره على الإثبات، بل قد يختصر مرحلة التقاضي كاملة إذا أنتج سنداً تنفيذياً مستوفياً للشروط. وفي المقابل، ينبغي للمدين مراجعة السند وإجراءات التبليغ والتنفيذ بدقة، واللجوء إلى منازعة التنفيذ عند وجود سبب نظامي يتعلق بصحة التنفيذ أو بما وقع بعد صدور السند، دون تحويل مرحلة التنفيذ إلى إعادة للنزاع في أصل الحق.



